أحمد بن علي القلقشندي

200

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ثوب براعته فأصبح منظره وسيما ، واستنشق عرف نسيمه المبارك فطاب شميما ، وعلم المملوك منه شدّة عتبه ، ومرّ التجنّي الذي ظهر من حلو لفظه وعذبه ، ولم يعرف لعتبه موجبا ، ولا لتغيّر مودّته سببا ، فإنه ما حاد عن طريق ولائه ولا حال ، ولا زلَّت قدمه عنه ولا زال ، ولا ماد عن منهج المودّة ولا مال ، وما فتيء لمحاسنه ناشرا ، ولإحسانه شاكرا ، فإن كان قد نقل عنه إلى مولانا شيء أزعجه ، وأخرجه عن عادة حلمه وأحرجه ، فإن الوشاة قد اختلقوا قولهم ونقلهم ، وقصدوا تشتيت المصاحبة شتّت اللَّه شملهم ( طويل ) . وقد نقلوا عنّي الَّذي لم أفه به وما آفة الأخبار إلَّا رواتها آخر : وردت المشرّفة العالية أعلى اللَّه نجم مرسلها ، وأسبغ أياديه وشكر جسيم تفضّلها ، فابتهجت الأنفس بحلولها وحلل جمالها ، وعوملت بما يجب من إكرامها وإجلالها ، وفضّ ختامها ففاح منها أرج العبير والعنبر ، وتليت ألفاظها الَّتي هي أبهى من الرّياض وأحلى من السّكَّر ، فأغنت كؤوس فصاحتها عن المدام ، وأزال ماؤها الزّلال البارد حرّ الأوام ( 1 ) ، وأعرب منشيها عمّا في ضميره من العتب ، والضيق الذي حصل في ذلك الصّدر الرّحب ، وهو يقسم بنعمته ، وبصادق محبّته ، أنه لم يبد منه ما يوجب عليه عتبا ، ولا انثنى عن الثّناء على [ محاسنه ( 2 ) ] الَّتي شغفته حبّا ، فإن كان المولى قد توهّم شيئا أحرجه وأقلقه ، وإلى أليم العتب شوّقه ، فليزل ذلك الوهم من خاطره ، وليثق بما تحقّق من موالاته في باطنه وظاهره ، ورأيه العالي . آخر : أعزّ اللَّه عزماته ، وشكر جسيم تفضّلاته . ولا زالت نعمته باقية ، وقدمه إلى درج المعالي راقية ، وهمّته إلى السّموّ على الكواكب سامية ، وسماء جوده على العفاة هامية ، وعزمته لثغور الإسلام حامية ،

--> ( 1 ) الأوام ، بضم الهمزة وفتح الواو ، كغراب : العطش أو حرّه . القاموس المحيط ومختار الصحاح ( أوم ) . ( 2 ) بياض في الأصل ، والتصحيح من المقام . حاشية الطبعة الأميرية .